بقلم : سعود بن عبدالله الضحوك
حين وصلني خبر وفاة المربي الفاضل الأستاذ إسماعيل بن عبدالله السماعيل لم يمنعني وجودي في مدينة أبها من أن تعود بي المشاعر والذاكريات سريعًا إلى محافظة الخرج حيث الذكريات التي لا تغيب والوجوه التي صنعت في حياتنا أثرًا لا تمحوه السنوات.
في هذا اليوم السبت الرابع من شهر صفر لعام 1448هـ ودّعت الخرج أحد رجالاتها المخلصين وأحد معلميها الذين لم يكتفوا بأداء الرسالة التعليمية بل عاشوا قدوةً في الأخلاق والتواضع والمحبة حتى استقروا في قلوب كل من عرفهم.
وينتمي الأستاذ إسماعيل السماعيل إلى أسرة عريقة ارتبط اسمها بتاريخ الخرج الحديث فهو ابن الشيخ عبدالله بن محمد السماعيل أحد أشهر المؤسسين للمدينة الجديدة “السيح” التي أصبحت لاحقًا مدينة الخرج بعد توسعها. وقد حمل حي الإسماعيلية اسمه سنوات طويلة قبل أن يُعرف اليوم بحي الريان كما شيّد والده رحمه الله جامع العز بن عبدالسلام ثم واصل أبناؤه من بعده رعاية الجامع والاهتمام برسالته وأنشطته استمرارًا لمسيرة الخير التي غرسها والدهم.
أما نحن طلابه فلم نكن نعرفه إلا باسم “أبو عبدالله”. كان معلمي في مادة الاجتماعيات بثانوية الملك فهد المطورة وأعتز كثيرًا بأنني كنت أحد تلاميذه. لم يكن يفرض احترامه بصوت مرتفع أو شدة في التعامل بل كان يمنح طلابه الاحترام أولًا فيعود إليه مضاعفًا محبةً وتقديرًا. كانت شخصيته الهادئة وابتسامته الدائمة وعدله بين الجميع دروسًا تربوية سبقت ما كان يكتبه على السبورة.
ولعل أجمل ما تعلمته منه أن المعلم الحقيقي لا يربي بالعقوبة وإنما بالقدوة. وقد حملت هذا المبدأ معي في مسيرتي التعليمية ووجدت أثره في كل طالب عاملته بالاحترام قبل أي شيء آخر.
وحين تقاعد أبو عبدالله من التعليم لم يتقاعد من الحياة ولم يتوقف عن رسالته. ظل حاضرًا في أعمال الخير وفي صلة الرحم وفي استقبال الناس وفي اجتماعات الأسرة الأسبوعية واليومية ينشر المودة ويجمع القلوب ويترك أثرًا طيبًا أينما حل.
يرحل بعض الناس فتُطوى صفحاتهم ويرحل آخرون فتظل سيرتهم تُروى في المجالس وتبقى دعوات الناس تسبق أسماءهم. وكان أبو عبدالله من هذا الصنف النادر عاش كريمًا ورحل كريمًا وترك خلفه إرثًا من المحبة لا يُشترى وذكرًا حسنًا لا يزول.
رحمك الله يا أبا عبدالله وغفر لك وأسكنك الفردوس الأعلى من الجنة. لقد غاب جسدك لكن أخلاقك وعطاءك وابتسامتك وكل جميل زرعته في نفوس الناس ما زال حاضرًا بيننا وكأن الموت لم يستطع أن يغيبك عن قلوب من أحبوك.
