Table of Contents
يُعد التدهور المعرفي المرتبط بالتقدم في العمر أحد أبرز التحديات الصحية العالمية، مع تزايد أعداد كبار السن المصابين بالخرف عامًا بعد آخر.
وفي وقت تتركز فيه جهود الوقاية على العلاجات الدوائية والأنشطة الذهنية، تكشف مجموعة متنامية من الدراسات العلمية أن أحد أبسط التدخلات الوقائية قد يكون موجودًا فعلًا على مائدة الطعام اليومية، وهي الخضروات الورقية الداكنة كالسبانخ والكرنب والخس.
مشروع الذاكرة والتقدم في العمر
تُعد الدراسة الأبرز في هذا المجال تلك التي أجراها فريق بحثي من جامعة راش الطبية في شيكاغو بقيادة الباحثة مارثا كلير موريس، ونُشرت نتائجها عام 2017 في مجلة نيورولوجي المحكّمة، وهي المجلة الرسمية للأكاديمية الأمريكية لطب الأعصاب.
وشملت الدراسة 960 مشاركًا تتراوح أعمارهم بين 58 و99 عامًا، خالين من الخرف عند بدء الدراسة، خضعوا لتقييمات معرفية سنوية ولاستبيانات غذائية على مدى متوسط 4.7 سنوات ضمن مشروع الذاكرة والتقدم في العمر التابع للجامعة. وفق “أخبار 24”.
وقسّم الباحثون المشاركين إلى 5 فئات بحسب معدل استهلاكهم اليومي للخضروات الورقية “السبانخ، والكرنب واللفت، وسلطة الخس”، ووجدوا أن الفئة الأعلى استهلاكًا “بمعدل 1.3 حصة يوميًا” سجّلت معدل تراجع معرفي أبطأ بشكل دال إحصائيًا مقارنة بالفئة الأقل استهلاكًا “0.09 حصة يوميًا فقط”، بفارق يعادل إحصائيًا كون الشخص أصغر عمريًا بـ11 عامًا من الناحية المعرفية.
والأهم أن هذه النتيجة ظلت ثابتة إحصائيًا حتى بعد ضبط عوامل مؤثرة أخرى كالعمر والتعليم والنشاط البدني والتدخين والحالات القلبية والوزن، ما يعزز الثقة في أن العلاقة حقيقية وليست مجرد ارتباط عرضي.
العناصر الغذائية الفاعلة وآليات التأثير
لفهم الآلية الكامنة وراء هذا الأثر الوقائي، حلل الباحثون العلاقة بين التراجع المعرفي وستة عناصر غذائية رئيسية تزخر بها الخضروات الورقية: فيتامين ك (فيلوكينون) واللوتين والنترات والفولات وألفا توكوفيرول والكايمبفيرول.
وتبيّن أن كل عنصر من هذه العناصر – باستثناء بيتا كاروتين – ارتبط بشكل مستقل ودال إحصائيًا بإبطاء وتيرة التراجع المعرفي، على رأسها الفولات وفيتامين ك واللوتين، والتي رجح الباحثون أنها الأكثر تفسيرًا للأثر الوقائي الإجمالي.
كيف تحمي هذه العناصر الدماغ؟
تعمل هذه المركّبات عبر مسارات بيولوجية متعددة ومتكاملة؛ فاللوتين يتراكم مباشرة في أنسجة الدماغ ويُعتقد أنه يلعب دورًا وقائيًا مباشرًا مرتبطًا بتحسّن الذاكرة والوظائف التنفيذية.
أما النترات الطبيعية الموجودة بكثافة في السبانخ والجرجير، فتتحول داخل الجسم إلى أكسيد النيتريك، وهو مركب يوسع الأوعية الدموية ويحسن تدفق الدم إلى الفص الجبهي من الدماغ، المسؤول عن الوظائف التنفيذية العليا.
وفي السياق ذاته، تعمل مضادات الأكسدة كفيتامين هـ (ألفا توكوفيرول) والفلافونويد كايمبفيرول على مقاومة الإجهاد التأكسدي والالتهاب المزمن، وهما من أبرز الآليات المتورطة في تسريع شيخوخة الدماغ وتراجع القدرات المعرفية.
تتويج علمي لدور الخضروات الورقية
طوّرت الباحثة نفسها، مارثا كلير موريس، وفريقها حمية غذائية متخصصة تُعرف باسم “حمية مايند” (اختصارًا للتدخل الغذائي المتوسطي-داش لتأخر التنكس العصبي)، تجمع بين عناصر من الحمية المتوسطية وحمية داش، مع تركيز خاص على الخضروات الورقية باعتبارها الفئة الغذائية الأعلى أولوية ضمنها.
وقد أظهرت دراسة نُشرت عام 2015 في مجلة “ألزهايمر آند ديمنشيا”، وهي المجلة الرسمية لجمعية ألزهايمر الأمريكية، أن الالتزام الصارم بحمية مايند قد يخفض خطر الإصابة بمرض ألزهايمر بنسبة تصل إلى 53%، في حين ارتبط الالتزام المعتدل بها بخفض الخطر بنسبة تقارب 35%.
أبرز العناصر الغذائية ومصادرها
يتصدّر فيتامين ك (فيلوكينون) قائمة العناصر الأقوى ارتباطًا بإبطاء التراجع المعرفي في الدراسة المرجعية، وأبرز مصادره النباتية الكرنب والسبانخ والخس.
وتأتي الفولات في مرتبة موازية من حيث الأهمية، إذ ترتبط بإبطاء التدهور المعرفي بقوة، ويرتبط نقصها بضعف إدراكي واضح، وأغنى مصادرها السبانخ والخضروات الورقية الداكنة عمومًا. أما اللوتين، الموجود بكثافة في السبانخ والكرنب والخس، فيتميز بخاصية فريدة إذ يتراكم مباشرة في أنسجة الدماغ نفسها ويرتبط بتحسن الذاكرة والوظائف التنفيذية.
وتلعب النترات الطبيعية، المتوفرة في السبانخ والجرجير وسائر الخضروات الورقية، دورًا مختلفًا تمامًا؛ إذ تتحول داخل الجسم إلى أكسيد النيتريك الذي يوسع الأوعية الدموية ويحسن تدفق الدم إلى الدماغ.
ويضاف إلى هذه العناصر مركّب الكايمبفيرول المضاد للأكسدة، والموجود في الكرنب والسبانخ، والذي يرتبط بإبطاء وتيرة التراجع الإدراكي، إلى جانب ألفا توكوفيرول، أحد أشكال فيتامين هـ المضادة للأكسدة والمتوافر في الخضروات الورقية الداكنة عمومًا، والذي يقي خلايا الدماغ من الإجهاد التأكسدي المزمن.
وتشير الأدلة العلمية المتراكمة، بدءًا من دراسة جامعة رَش المرجعية وصولًا إلى تطوير حمية مايند القائمة على مبادئ مشابهة، إلى أن إدراج حصة واحدة يوميًا من الخضروات الورقية الداكنة كالسبانخ والكرنب واللفت والخس ضمن النظام الغذائي قد يشكّل إحدى أبسط وأكثر التدخلات الوقائية فعالية من حيث الكلفة للحفاظ على صحة الدماغ مع التقدم في العمر.
ورغم أن هذه الدراسات رصدية بطبيعتها ولا تُثبت علاقة سببية قاطعة بشكل كامل، فإن اتساق النتائج عبر دراسات متعددة ومستقلة، إلى جانب الفهم البيولوجي الواضح للآليات الكامنة ورائها، يمنح هذه التوصية الغذائية البسيطة وزنًا علميًا معتبرًا يستحق أن يكون جزءًا من أي استراتيجية وقائية شاملة لصحة الدماغ.
