بقلم الإعلامي فالح آل عمار
حين نتحدث عن الإبل في المملكة العربية السعودية، فإننا لا نتحدث عن هذا الكائن ارتبط بحياة الإنسان في الجزيرة العربية فحسب، ولا عن موروث شعبي يستعاد في المناسبات، بل نتحدث عن جزء أصيل من ذاكرة الوطن، وعن رمز للعزة والصبر والقدرة على التكيف، وعن ثروة حملت في الماضي مقومات الحياة، وتفتح اليوم أبوابًا جديدة للاستثمار والتنمية.
لقد كانت الإبل رفيقًا أساسيًا للرجال في مراحل تأسيس الدولة وتوحيد المملكة على يد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، طيب الله ثراه. فعلى ظهورها تنقل الرجال، وحُملت المؤن والعتاد، وعبر الآباء والأجداد الصحاري والفيافي في ظروف شاقة، حتى أصبحت الإبل شاهدًا حيًا على مرحلة تاريخية تأسست على الإيمان والعزيمة والكفاح.
ولم تكن قيمتها آنذاك رمزية فقط؛ فقد مثلت إحدى أهم ركائز الاقتصاد والمعيشة في الجزيرة العربية. اعتمد عليها الإنسان في التنقل والتجارة، وانتفع بألبانها ولحومها، واتخذ منها مقياسًا للثروة والمكانة الاجتماعية. وبذلك جمعت الإبل بين الوظيفة الاقتصادية والقيمة الاجتماعية، وبين ضرورات الحياة ومعاني الاعتزاز والانتماء.
لكن قيمة الإبل لم تتوقف عند حدود الماضي. فبعد عقود من التنمية والتطور، لم تتراجع مكانتها، بل انتقلت من اقتصاد المعيشة إلى اقتصاد الاستثمار، ومن موروث تتناقله الأجيال إلى قطاع واعد تتسع مجالاته وفرصه عامًا بعد عام.
ويؤكد هذا التحول الاهتمام الكبير الذي حظي به قطاع الإبل من القيادة الرشيدة، بدءًا من صدور الأمر الملكي الكريم من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، حفظه الله، بإنشاء نادي الإبل عام 2017م. فقد مثل إنشاء النادي نقطة تحول مهمة في رعاية هذا الموروث، وتنظيم أنشطته، وتطوير منافساته، والارتقاء به من الجهود الفردية إلى العمل المؤسسي المنظم.
كما يحظى النادي بإشراف واهتمام صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء وعرّاب رؤية السعودية 2030. وقد أسهمت توجيهاته ومتابعته في تعزيز حضور الإبل ثقافيًا واقتصاديًا، وتحويلها إلى قطاع أكثر تنظيمًا وجاذبية للملاك والمستثمرين والمهتمين بالتراث.
وهذا الاهتمام لا يقتصر على المزاينات والمنافسات، بل يمتد إلى بناء منظومة متكاملة تشمل التنظيم والتطوير والاستثمار. ولعل مهرجان الملك عبدالعزيز للإبل أبرز مثال على ذلك؛ إذ لم يعد مجرد مناسبة تراثية أو ميدانًا للتنافس بين الملاك، بل تحول إلى ملتقى يجمع كبار الملاك ورجال الأعمال والمستثمرين، وساحة تتنافس فيها المنقيات والسلالات، وتُبرم على هامشها صفقات تجارية كبيرة.
ومن اللافت أن هذا التوجه المؤسسي لم يظل محصورًا داخل المملكة، بل امتد إلى دول الخليج، ومنها دولة قطر الشقيقة التي تأسس فيها نادي قطر لمزاين الإبل عام 2021م، بهدف تنظيم المهرجانات، ودعم الملاك، وتطوير الأنشطة المرتبطة بالإبل. ويعكس هذا الانتشار المؤسسي المكانة التي تحتلها الإبل في الوجدان الخليجي، كما يؤكد أن حماية الموروث لا تتعارض مع تطويره اقتصاديًا، بل يمكن أن تكون مدخلًا إلى فرص جديدة ومستدامة.
ومن أبرز التحولات التي يشهدها القطاع دخول أسماء اقتصادية بارزة من خارج نشاط الإبل التقليدي، واستثمارها في هذا المجال. ومن الأمثلة على ذلك رجل الأعمال عبدالله بن عامر النهدي، مؤسس صيدليات النهدي ومالك منقية «النائلات»، ورجل الأعمال موسى بن محمد الموسى، مالك منقية «مصيحات»، إلى جانب رجال أعمال آخرين أصبح لهم حضور واضح في عالم الإبل.
ولا يقتصر أثر هذا الحضور على المنافسة أو إبرام الصفقات، بل يمتد إلى توسيع دائرة الاهتمام بالقطاع، وتعزيز حضوره الإعلامي والاجتماعي، والتعريف بالمستثمرين لدى شرائح جديدة من المجتمع. فقد كان حضور كثير من رجال الأعمال مرتبطًا في السابق بقطاعاتهم التجارية المعروفة، بينما أتاح لهم الاستثمار في الإبل مساحة جديدة للتواصل وبناء العلاقات وتوسيع دوائر المعرفة.
وهنا تظهر قيمة إضافية لا تقل أهمية عن العوائد المالية المباشرة؛ فاقتصاد الإبل يسهم في بناء العلاقات، وتعزيز التواصل بين رجال الأعمال والمجتمع، وخلق مساحات مشتركة تجمع بين الموروث والاقتصاد والحضور الاجتماعي.
ومن الشواهد على حجم الاستثمارات التي بدأ يستقطبها هذا القطاع ما أُعلن في يناير 2023م عن صفقتين تجاوزت قيمتهما الإجمالية 200 مليون ريال خلال مهرجان الملك عبدالعزيز للإبل؛ بلغت قيمة إحداهما 120 مليون ريال لعبدالله النهدي، فيما تجاوزت الأخرى 80 مليون ريال لموسى الموسى. وبطبيعة الحال، لا يمكن اعتبار هذه الصفقات وحدها مقياسًا لحجم السوق أو عوائده الفعلية، لكنها تكشف بوضوح عن مستوى الاهتمام الاستثماري الذي بلغه قطاع الإبل، وعن قدرته على جذب رؤوس أموال كبيرة.
والأهم من ذلك أن اقتصاد الإبل لا يقتصر على المالك والمشتري، بل تمتد منافعه إلى قطاعات وأفراد متعددين. فهو يشمل منتجي الأعلاف، ووسائل النقل، والأطباء البيطريين، والعاملين في التربية والإنتاج، ومنظمي المزادات، وأصحاب المنشآت السياحية والضيافة، إضافة إلى الإعلاميين والمصورين والمسوقين وغيرهم.
كل نشاط من هذه الأنشطة يمثل فرصة عمل أو مصدر دخل، كما يسهم في تنشيط الحركة التجارية في المناطق التي تستضيف المهرجانات والمزادات. ولذلك فإن تطوير قطاع الإبل لا يخدم ملاكها وحدهم، بل يفتح فرصًا أمام الدولة والأفراد والمنشآت الصغيرة والمتوسطة، ويخلق سلسلة اقتصادية متكاملة تتجاوز حدود الميدان والمهرجان.
وفي هذا السياق، يعكس توجه صندوق الاستثمارات العامة إلى تأسيس شركة «سواني» عام 2023م لتطوير قطاع منتجات حليب الإبل إدراكًا واضحًا بأن الفرص الاقتصادية لا تتوقف عند المزاينات والصفقات، بل تمتد إلى الصناعات الغذائية والإنتاج والتسويق، وإلى بناء منتجات قادرة على المنافسة في الأسواق المحلية والعالمية.
كما جاء اعتماد مجلس الوزراء تسمية عام 2024م بـ«عام الإبل» تأكيدًا لمكانتها التاريخية والثقافية في المملكة، ورسالة واضحة بأن هذا الموروث يحظى بمكانة تتجاوز الاحتفاء الرمزي إلى دعم حضوره في مسارات التنمية والاقتصاد والسياحة.
ومن الخطوات التنظيمية المهمة نشر الضوابط التنظيمية للمتاجرة بالإبل في جريدة أم القرى بتاريخ 25 سبتمبر 2026م. وقد تناولت هذه الضوابط تنظيم البيع والشراء والتأجير والمقايضة والمزادات، وتوثيق العقود والملكيات، وحفظ حقوق المتعاملين، والالتزام بالمتطلبات الصحية والرفق بالإبل.
وتكتسب هذه الإجراءات أهمية كبيرة؛ لأن أي سوق لا يمكن أن ينمو بصورة مستدامة من دون قواعد واضحة تحمي أطرافه وتنظم تعاملاته. فالتنظيم يعزز الثقة، والشفافية تشجع الاستثمار، وحفظ الحقوق يرفع من كفاءة السوق ويحد من الممارسات التي قد تضر بسمعته. ومن هنا، فإن تنظيم المتاجرة بالإبل لا يمثل إجراءً إداريًا فحسب، بل يعد أساسًا لبناء سوق أكثر نضجًا واستقرارًا وجاذبية.
أما المستقبل، فأرى أن اقتصاد الإبل لا يزال يمتلك مساحة واسعة للنمو، وأن ما تحقق حتى الآن قد لا يكون سوى بداية لفرص أكبر. فهناك مجالات متعددة يمكن تطويرها، من الاستثمار في الإنتاج وتحسين السلالات، إلى الصناعات الغذائية، والخدمات البيطرية، والتقنيات الحديثة، والأسواق والمزادات المنظمة، والسياحة التراثية.
كما يمكن توظيف التقنيات الحديثة في التوثيق والتتبع، وتحسين الرعاية والإنتاج، وتطوير منصات البيع والمزادات، ورفع جودة البيانات المتعلقة بالسلالات والملكية والتاريخ الصحي. وهذه المجالات لا توفر فرصًا استثمارية فحسب، بل تسهم أيضًا في خلق وظائف جديدة، وتنويع مصادر الدخل، وفتح أبواب أمام رواد الأعمال والمنشآت الصغيرة والمتوسطة.
غير أن هذا المستقبل يتطلب توازنًا دقيقًا بين التطوير والحفاظ على الأصالة. فالنمو الحقيقي لا يعني تحويل الإبل إلى سلعة مجردة من قيمتها الثقافية، كما أن حماية الموروث لا تعني إبقاءه خارج دائرة الاقتصاد الحديث. المطلوب هو بناء نموذج يجمع بين أصالة الإبل، ونزاهة المنافسات، وشفافية الصفقات، وحماية السلالات، والحد من الممارسات التي قد تضر بثقة السوق.
وفي ظل رؤية السعودية 2030 والتحول الاقتصادي والتنموي الذي تشهده المملكة، يمتلك قطاع الإبل مقومات تؤهله ليكون أحد المجالات الداعمة لتنويع الاقتصاد. غير أن تحقيق هذه الإمكانات يتطلب استمرار العمل المؤسسي، وتكامل الجهات المعنية، وتشجيع الاستثمار المسؤول، وربط الموروث بالتخطيط والإنتاج والابتكار.
إن النظر إلى الإبل يجب ألا يتوقف عند أسعار البيع أو جوائز المزاينات، بل ينبغي أن يتسع ليشمل ما تقدمه من عوائد اقتصادية، وفرص وظيفية، ومشاريع استثمارية، وقيمة ثقافية وسياحية للمملكة. فالإبل التي رافقت مسيرة توحيد الوطن، وكانت مصدر رزق لآبائنا وأجدادنا، أصبحت اليوم جزءًا من حراك اقتصادي متنامٍ، وتحمل في مستقبلها فرصًا واعدة يمكن أن تعود بالنفع على الوطن والمواطن.
وفي تقديري، فإن نجاح قطاع الإبل في المرحلة المقبلة لن يقاس فقط بحجم الصفقات أو عدد المهرجانات، بل بقدرته على بناء اقتصاد متكامل ومستدام، يحفظ الموروث، ويخلق فرص العمل، ويشجع الابتكار، ويمنح المستثمرين والممارسين ثقة أكبر في مستقبل هذا القطاع.
فالإبل إرث صنع جانبًا من تاريخنا، وثروة تنمو في حاضرنا، وفرصة اقتصادية تستحق أن نستثمر في مستقبلها.
⸻
الإعلامي فالح آل عمار
