ترتبط محافظة العُلا بعلاقة تاريخية عميقة مع النمر العربي، تمتد آلاف السنين، وثّقتها النقوش الصخرية المنتشرة في جبالها ووديانها، التي عكست حضور هذا الكائن المهيب ضمن البيئة الطبيعية والهوية الثقافية للمنطقة، بوصفه أحد رموز التوازن البيئي في شبه الجزيرة العربية.
ويُعد النمر العربي أحد أكثر الأنواع المهددة بالانقراض بشدة على مستوى العالم، إذ صنّفه الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN) ضمن الكائنات المهددة بالانقراض، نتيجة تحديات متراكمة شملت اتساع رقعة التحضّر العمراني والزراعة، والإفراط في الرعي، والصيد الجائر، والاتجار غير المشروع بالحياة الفطرية.
وفي امتداد لهذه العلاقة التاريخية، تقود الهيئة الملكية لمحافظة العُلا جهودًا متكاملة لحماية النمر العربي وصون موائله الطبيعية، من خلال برامج علمية وميدانية تهدف إلى استعادة التوازن البيئي وضمان استمرارية هذا النوع النادر، ويأتي في مقدمة هذه الجهود مركز إكثار وصون النمر العربي، الذي يُعد الموقع الوحيد النشط حاليًّا في العالم المتخصص في إكثار النمر العربي بهدف الحفاظ عليه. وفق “أخبار 24”.
ومنذ تولّي المركز مهامه في عام 2020م، نجحت برامجه في مضاعفة أعداد النمور ضمن بيئة خاضعة لأعلى المعايير العلمية، في إنجاز يعكس فاعلية النهج المتبع في الحفظ والإكثار، وفي ديسمبر 2024، أُعلنت ثالث حالة ولادة موثّقة للنمر العربي خلال الثلاثين عامًا الماضية، والأولى تحت الرعاية داخل المملكة العربية السعودية، بعد أن أنجب “ورد” و”باهر” ثلاثة أشبال، ذكرين وأنثى، في يونيو من العام ذاته.
ويمثّل مشروع إعادة تأهيل الحياة البرية في العُلا منارة أمل لعودة النمر العربي إلى موائله الطبيعية، وازدهار البيئة في المنطقة بأكملها، حيث تسهم نتائجه في استعادة الغطاء النباتي، ودعم الفرائس الطبيعية، وتهيئة منظومة بيئية متكاملة تُمكّن الحياة البرية من التعايش المستدام مع الإنسان.
ويُسلّط اليوم العالمي للنمر العربي، الذي يُحتفى به سنويًا في العاشر من فبراير، الضوء على واقع هذا النوع المهدد بالانقراض، ويؤكد أهمية تعزيز الجهود الوطنية والدولية لحمايته.
وضمن احتفائها بهذه المناسبة، أطلقت الهيئة الملكية لمحافظة العُلا حملة “رحلة أمل”، الهادفة إلى رفع مستوى الوعي المجتمعي بجهود حماية النمر العربي، وإشراك أهالي وسكان العُلا في مسيرة الحفاظ عليه.
وتشمل الحملة عددًا من المبادرات الميدانية، من بينها دروب النمر العربي بالتعاون مع نادي العُلا، إلى جانب جلسات توعوية عامة، تُسلّط الضوء على دور الأفراد في حماية النمر العربي وصون البيئة الطبيعية، وتعزيز مفاهيم التعايش المتوازن بين الإنسان والطبيعة، فضلًا عن مبادرات توعوية تمتد إلى المستوى الدولي بالشراكة مع عدد من المؤسسات البيئية العالمية.
وتؤكد الهيئة الملكية لمحافظة العُلا، من خلال هذه الجهود المتكاملة، التزامها الراسخ بحماية النمر العربي بوصفه رمزًا للتنوع الحيوي في المنطقة، ضمن رؤية شاملة لا تقتصر على الحفاظ على الأنواع فحسب، بل تمتد إلى استعادة البيئة الطبيعية وبناء منظومة متناغمة تزدهر فيها الحياة البرية جنبًا إلى جنب مع المجتمعات البشرية، لتبقى العُلا شاهدًا حيًّا على التقاء إرثٍ موغل في التاريخ برؤية بيئية حديثة تصون المستقبل.
